ابن عطية الأندلسي
414
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وقوله وَجْهِيَ يحتمل أن يراد به المقصد كما تقول خرج فلان في وجه كذا فيكون معنى الآية : جعلت مقصدي للّه ، ويحتمل أن يكون معنى الآية ، أسلمت شخصي وذاتي وكليتي وجعلت ذلك للّه ، وعبر بالوجه إذ الوجه أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس ، وقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [ الرحمن : 27 ] أنها عبارة عن الذات ، و أَسْلَمْتُ في هذا الموضع بمعنى دفعت وأمضيت وليست بمعنى دخلت في السلم لأن تلك لا تتعدى ، وقوله تعالى : وَمَنِ اتَّبَعَنِ في موضع رفع عطف على الضمير في موضع خفض عطفا على اسم اللّه تعالى كأنه يقول : جعلت مقصدي للّه بالإيمان به والطاعة له ، ولمن اتبعن بالحفظ له والتحفي بتعليمه وصحبته لك في اتَّبَعَنِ حذف الياء وإثباتها وحذفها أحسن اتباعا لخط المصحف ، وهذه النون إنما هي لتسلم فتحة لام الفعل فهي مع الكسرة تغني عن الياء لا سيما إذا كانت رأس آية ، فإنها تشبه قوافي الشعر كما قال الأعشى : [ المتقارب ] وهل يمنعنّ ارتياد البلا * د من حذر الموت أن يأتين فمن ذلك قوله تعالى : رَبِّي أَكْرَمَنِ [ الفجر : 15 ] فإذا لم تكن نون فإثبات الياء أحسن ، لكنهم قد قالوا : هذا غلام قد جاء فاكتفوا بالكسرة دلالة على الياء ، والذين أُوتُوا الْكِتابَ في هذا الموضع يجمع اليهود والنصارى باتفاق ، والأميون هم الذين لا يكتبون وهم العرب في هذه الآية ، وهذه النسبة هي إلى الأم أو إلى الأمة أي كما هي الأم ، أو على حال خروج الإنسان عن الأم أو على حال الأمة الساذجة قبل التعلم والتحذق ، وقوله : أَ أَسْلَمْتُمْ تقرير في ضمنه الأمر كذا قال الطبري وغيره ، وذلك بين ، وقال الزجاج أَ أَسْلَمْتُمْ تهديد ، وهذا حسن ، لأن المعنى أأسلمتم أم لا ؟ وقوله تعالى : فَقَدِ اهْتَدَوْا وجاءت العبارة بالماضي مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى لهم وتحصله . وقوله تعالى : فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ ذكر بعض الناس أنها آية موادعة وأنها مما نسخته آية السيف . قال أبو محمد : وهذا يحتاج أن يقترن به معرفة تاريخ نزولها ، وأما على ظاهر نزول هذه الآية في وقت وفد نجران فإنما المعنى فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ بما فيه قتال وغيره ، و الْبَلاغُ مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل ، وفي قوله تعالى : وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ * وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 21 إلى 22 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 21 ) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 22 ) قال محمد بن جعفر بن الزبير وغيره : إن هذه الآية في اليهود والنصارى . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وتعم كل من كان بهذه الحال ، والآية توبيخ